أبي حيان الأندلسي

559

البحر المحيط في التفسير

سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ « 1 » . وقال قتادة : ما أنزل اللّه على العرب كتابا قبل القرآن ، ولا بعث إليهم نبيا قبل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . والمعنى : من أين كذبوا ، ولم يأتهم كتاب ، ولا نذير بذلك ؟ وقيل : وصفهم بأنهم قوم آمنون ، أهل جاهلية ، ولا ملة لهم ، وليس لهم عهد بإنزال الكتاب ولا بعثة رسول . كما قال : أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ « 2 » ، فليس لتكذيبهم وجه مثبت ، ولا شبهة تعلق . كما يقول أهل الكتاب ، وإن كانوا مبطلين : نحن أهل الكتاب والشرائع ، ومستندون إلى رسل من رسل اللّه . وقيل : المعنى أنهم يقولون بآرائهم في كتاب اللّه ، يقول بعضهم سحر ، وبعضهم افتراء ، ولا يستندون فيه إلى أثارة من علم ، ولا إلى خبر من يقبل خبره . فإنا آتيناهم كتبا يدرسونها ، ولا أرسلنا إليهم رسولا ولا نذيرا فيمكنهم أن يدعوا ، إن أقوالهم تستند إلى أمره . وقرأ الجمهور : يَدْرُسُونَها ، مضارع درس مخففا ؛ وأبو حيوة : بفتح الدال وشدها وكسر الراء ، مضارع ادّرس ، افتعل من الدرس ، ومعناه : تتدارسونها . وعن أبي حيوة أيضا : يدرسونها ، من التدريس ، وهو تكرير الدرس ، أو من درس الكتاب مخففا ، ودرّس الكتاب مشددا التضعيف باعتبار الجمع . ومعنى قَبْلَكَ ، قال ابن عطية : أي وما أرسلنا من نذير يشافههم بشيء ، ولا يباشر أهل عصرهم ، ولا من قرب من آبائهم . وقد كانت النذارة في العالم ، وفي العرب مع شعيب وصالح وهود . ودعوة اللّه وتوحيده قائم لم تخل الأرض من داع إليه ، وإنما المعنى : من نذير يختص بهؤلاء الذين بقيت إليهم ، وقد كان عند العرب كثير من نذارة إسماعيل ، واللّه تعالى يقول : إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا « 3 » ، ولكن لم يتجرد للنذارة ، وقاتل عليها ، إلا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . انتهى . وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ : توعد لهم ممن تقدمهم من الأمم ، وما آل إليه أمرهم ، وتسلية لرسوله بأن عادتهم في التكذيب عادة الأمم السابقة ، وسيحل بهم ما حل بأولئك . وأن الضميرين في : بَلَغُوا وفي : ما آتَيْناهُمْ عائدان على الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، ليتناسقا مع قوله تعالى : فَكَذَّبُوا ، أي ما بلغوا في شكر النعمة وجزاء المنة معشار ما آتيناهم من النعم والإحسان إليهم . وقال ابن عباس ، وقتادة ، وابن زيد : الضمير في بَلَغُوا لقريش ، وفي ما آتَيْناهُمْ للأمم الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . والمعنى : وما بلغ هؤلاء بعض ما آتينا أولئك من طول الأعمار وقوة الأجسام وكثرة الأموال ، وحيث كذبوا رسلي

--> ( 1 ) سورة الروم : 30 / 35 . ( 2 ) سورة الزخرف : 43 / 21 . ( 3 ) سورة مريم : 19 / 54 .